توازنات معقدة: المحددات القانونية والسياسية لاختيار أمين عام الأمم المتحدة
تدخل منظمة الأمم المتحدة مرحلة جديدة تتصل باختيار الأمين العام، الذي سيتولى قيادة الأمانة العامة خلال السنوات المقبلة مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية للأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 31 ديسمبر 2026. ولا تقتصر أهمية هذه العملية على شغل منصب إداري رفيع في هيكل المنظمة الدولية، وإنما تمتد إلى تحديد طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به المنظمة في مواجهة التحديات الدولية الراهنة والمستقبلية؛ إذ يمثل الأمين العام أحد أبرز الفاعلين في المنظومة الأممية، بحكم ما يضطلع به من مسؤوليات في إدارة الأمانة العامة، وتنسيق أعمال المنظمة، وتنفيذ قرارات أجهزتها، والإسهام في منع النزاعات وتسويتها بالوسائل السلمية، إضافة إلى دوره في لفت انتباه المجتمع الدولي إلى الأزمات والتهديدات التي تمس السلم والأمن الدوليين؛ ومن ثم فإن اختيار الشخصية التي ستشغل هذا المنصب يكتسب أهمية تتجاوز الاعتبارات الإجرائية، ليصبح مسألة ذات أبعاد مؤسسية وقانونية وسياسية ترتبط بمستقبل فاعلية الأمم المتحدة ومكانتها في النظام الدولي.
وتتسم عملية اختيار الأمين العام للأمم المتحدة بطبيعة مركبة، تفرضها الخصوصية القانونية والسياسية للمنصب، الذي يجمع بين القيادة الإدارية العليا للأمانة العامة والوظيفة السياسية والدبلوماسية على المستوى الدولي. فمن الناحية القانونية، يستند التعيين إلى أحكام ميثاق الأمم المتحدة، التي أناطت بمجلس الأمن مهمة التوصية بالمرشح للجمعية العامة لتعيينه؛ ما يجعل موافقة مجلس الأمن مرحلة حاسمة في مسار الاختيار. أما من الناحية السياسية، فإن هذه العملية تتأثر بجملة من الاعتبارات المرتبطة بالتوازنات الدولية، وبمواقف الدول الأعضاء، ولا سيّما الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن؛ وهو ما يعني أن عملية اختيار الأمين العام تعكس بوضوح التداخل بين القواعد القانونية المنظمة والاعتبارات السياسية الحاكمة، وتكشف في الوقت ذاته عن مدى قدرة الأمم المتحدة على تحقيق التوازن بين متطلبات الشرعية المؤسسية وضرورات التوافق الدولي.
عملية الاختيار:
نظم ميثاق الأمم المتحدة عملية اختيار الأمين العام بموجب المادة (97)، التي تنص على أن “يكون للهيئة أمانة تشمل أميناً عاماً ومن تحتاجهم الهيئة من الموظفين. وتعين الجمعية العامة الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن. والأمين العام هو الموظف الإداري الأكبر في الهيئة”. ويكشف هذا النص عن أن الميثاق وضع إطاراً قانونياً عاماً لعملية الاختيار، دون أن يتولى تنظيم مختلف مراحلها وإجراءاتها التفصيلية، سواء ما يتعلق بآلية تقديم الترشيحات، أو معايير المفاضلة بين المرشحين، أو كيفية إدارة المداولات والتصويت داخل مجلس الأمن والجمعية العامة. وقد أفسح هذا الإيجاز المجال أمام نشوء مجموعة من القواعد والممارسات والأعراف المؤسسية التي تطورت تدريجياً منذ إنشاء المنظمة، وأسهمت في استكمال الإطار الإجرائي الحاكم لعملية الاختيار.
وتترتب على صياغة المادة (97) نتيجة قانونية جوهرية مؤداها أن اختصاص الجمعية العامة بتعيين الأمين العام لا ينشأ بصورة مستقلة، وإنما يسبقه حتماً صدور توصية من مجلس الأمن؛ إذ تمثل هذه التوصية شرطاً قانونياً لازماً لمباشرة الجمعية العامة اختصاصها في التعيين؛ ومن ثم لا يجوز للجمعية العامة أن تعين أميناً عاماً في غياب توصية صادرة عن مجلس الأمن؛ ما يكشف عن طبيعة تكاملية للاختصاص بين الجهازين. وقد تعزز هذا الفهم في ضوء الممارسة الدولية والفقه الدولي، إلى جانب ما قررته محكمة العدل الدولية في فتواها الاستشارية الصادرة عام 1950 بشأن شروط قبول الدول لعضوية الأمم المتحدة؛ حيث أكدت أن توصية مجلس الأمن تشكل إجراءً سابقاً ولازماً لمباشرة الجمعية العامة اختصاصها.
وشهدت عملية اختيار الأمين العام خلال العقود الأخيرة تحولاً تدريجياً نحو إضفاء قدر أكبر من الشفافية والانفتاح والمشاركة على مراحلها المختلفة. وشكّل اعتماد الجمعية العامة القرار رقم (69/321) في عام 2015 نقطة تحول بارزة؛ إذ وضع مجموعة من المبادئ والتدابير الإجرائية التي استهدفت تعزيز الطابع التنافسي والشفاف لعملية الاختيار، وتوسيع نطاق مشاركة الدول الأعضاء في التعرف على المرشحين وتقييم مؤهلاتهم ورؤاهم. وأكد القرار ضرورة أن تتوافر في المرشح أعلى معايير الكفاءة والجدارة والنزاهة، وأن يكون ملتزماً بمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، إضافة إلى امتلاكه خبرة واسعة في الشؤون الدولية، وقدرات قيادية وإدارية، ومهارات دبلوماسية واتصالية رفيعة.
كما أرسى القرار إطاراً إجرائياً أكثر وضوحاً لمرحلة الترشيح، من خلال رسالة مشتركة من رئيس الجمعية العامة ورئيس مجلس الأمن للإعلان عن بدء عملية الاختيار، وتعميم أسماء المرشحين وسيرهم الذاتية، وإقرار الحوارات غير الرسمية معهم؛ ما أتاح للدول الأعضاء مناقشة رؤاهم وأولوياتهم وتقييم قدراتهم القيادية والدبلوماسية.
واستمراراً لمسار الإصلاح، اعتمدت الجمعية العامة القرار رقم (79/327) لعام 2025، الذي جاء استكمالاً للإصلاحات السابقة من خلال تثبيتها وتطويرها، وإضفاء مزيد من الوضوح على قواعد الترشيح والاختيار. وأجاز القرار أن تقدم دولة عضو منفردة أو مجموعة من الدول مرشحاً، مع عدم جواز تقديم أكثر من مرشح واحد في الوقت ذاته، كما ألزم المرشح بتقديم بيان للرؤية، وسيرته الذاتية، والإفصاح عن مصادر تمويل حملته؛ ومع ذلك، تبقى عملية تعيين الأمين العام محكومة بالمادة (97)، التي تجعل توصية مجلس الأمن شرطاً لازماً لتعيينه من جانب الجمعية العامة.
سبعة مرشحين:
تضم قائمة المرشحين لشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة عدداً من الشخصيات ذات الخبرة السياسية والدبلوماسية والأممية الواسعة؛ ما يعكس تنوعاً ملحوظاً في الخلفيات المهنية والإقليمية للمرشحين. وتتمثل القائمة في: ميشيل باشيليت، رئيسة تشيلي السابقة والمفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان؛ والأرجنتيني رافائيل ماريانو غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا سابقاً والأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)؛ وماكي سال، رئيس السنغال السابق؛ إضافة إلى ماريا فرناندا إسبينوسا غارسيس، وزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة والرئيسة السابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد انضمت إلى هذه القائمة لاحقاً كل من كارولين رودريغيز بيركيت، الممثلة الدائمة لغيانا لدى الأمم المتحدة ووزيرة خارجية سابقة؛ وأولارا أوتونو، دبلوماسي أوغندي ووكيل سابق للأمين العام للأمم المتحدة. وتكشف هذه القائمة عن منافسة تجمع بين خبرات القيادة السياسية الوطنية، والدبلوماسية متعددة الأطراف، والعمل الأممي المتخصص.
ويكتسب ترشيح باشيليت، وإسبينوسا، وغرينسبان، أهمية خاصة في ضوء البعد المتعلق بالتمثيل الجندري والإقليمي؛ إذ تمثل المرشحات الثلاث خبرات سياسية وأممية رفيعة، كما أن اثنتين منهن سبق أن تولتا مواقع قيادية بارزة داخل منظومة الأمم المتحدة، في حين تتمتع باشيليت بخبرة واسعة في إدارة الدولة وفي مجال حقوق الإنسان.
وفي المقابل، يُعد غروسي من أصحاب الخبرة المتخصصة في قضايا الأمن النووي وعدم الانتشار، وهي ملفات تكتسب أهمية متزايدة في ظل التوترات الاستراتيجية الراهنة. بينما يدخل سال سباق الترشح بخبرة سياسية مباشرة في إدارة الدولة والعمل الإقليمي في القارة الإفريقية. أما بيركيت فتجمع بين الخبرة الدبلوماسية والعمل الحكومي، في حين يتمتع أوتونو بخبرة أممية متخصصة في قضايا الأطفال والنزاعات المسلحة.
ومن ثم، فإن التنافس لا يدور فقط حول القيمة السياسية لكل مرشح، وإنما حول طبيعة الخبرة التي يمكن لكل مرشح أن يوظفها في مواجهة التحديات التي تواجه الأمم المتحدة. ومن منظور التوازنات الدولية، تبدو الاعتبارات الإقليمية حاضرة بقوة هذه المرة، ولا سيّما أن عدداً معتبراً من المرشحين ينتمون إلى أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
ومن ناحية أخرى، تبرز مسألة اختيار امرأة لأول مرة لتولي المنصب بوصفها أحد الاعتبارات السياسية والمعنوية المؤثرة في تقييم فرص بعض المرشحات، وإن لم تكن قاعدة قانونية ملزمة في عملية التعيين. وفي المقابل، فإن وجود مرشحين من إفريقيا يضيف بعداً آخر إلى معادلة التوازن الإقليمي، خاصة في ضوء الدور المتزايد للمجموعة الإفريقية داخل الأمم المتحدة.
ولذلك، فإن المفاضلة بين المرشحين لا يمكن أن تستند إلى الكفاءة والخبرة وحدهما، وإنما تتداخل معها اعتبارات التمثيل الجغرافي، والتوازن السياسي، ومدى قدرة المرشح على بناء توافق واسع بين الدول الأعضاء.
عوامل مؤثرة:
لا يتوقف اختيار الأمين العام للأمم المتحدة على أساس المؤهلات الشخصية والخبرة المهنية للمرشحين فحسب، وإنما تتداخل في تحديد النتيجة النهائية مجموعة من العوامل القانونية والسياسية والإقليمية؛ تجعل هذه العملية من أكثر عمليات الاختيار الدولي تعقيداً. ويأتي في مقدمة هذه العوامل ما يلي:
1- التوازنات السياسية داخل مجلس الأمن: يمثل حصول المرشح على توصية مجلس الأمن شرطاً لازماً لتعيينه من جانب الجمعية العامة؛ الأمر الذي يمنح الدول الخمس دائمة العضوية وزناً استثنائياً في مسار الاختيار، بالنظر إلى ما تتمتع به من حق النقض “الفيتو”؛ ومن ثم فإن فرص أي مرشح لا تتوقف على قدرته على الحصول على العدد اللازم من الأصوات داخل مجلس الأمن فحسب، وإنما ترتبط كذلك بقدرته على تجنب الاعتراض من جانب أي من الأعضاء الدائمين؛ وهو ما يجعل التوافق بين القوى الكبرى عنصراً حاسماً في تحديد المرشح الذي يمكن أن يحظى بالتوصية النهائية.
2- التوازن الجغرافي والإقليمي: جرى العرف السياسي داخل الأمم المتحدة على مراعاة التوزيع الجغرافي في شغل المناصب الدولية العليا، بالرغم من عدم وجود قاعدة قانونية تُلزم بتناوب المنصب بين الأقاليم. وقد اكتسب هذا العامل أهمية خاصة في عملية الاختيار الراهنة، بالنظر إلى المطالب المتكررة بتحقيق قدر أكبر من التمثيل الإقليمي في قيادة المنظمة. ويتصل بذلك، عامل النوع الاجتماعي، الذي أصبح حاضراً بصورة متزايدة في النقاش حول اختيار الأمين العام، ولا سيّما مع استمرار الدعوات الخاصة بضرورة تولي امرأة هذا المنصب للمرة الأولى منذ إنشاء الأمم المتحدة. ولكن تظل هذه الاعتبارات من قبيل العوامل السياسية المؤثرة؛ إذ إنها ليست شروطاً قانونية ملزمة.
3- الخبرة الدبلوماسية والأممية: يتعلق هذا الأمر بقدرة المرشح على التعامل مع الأزمات الدولية، وإدارة العلاقات بين القوى الكبرى، والتوفيق بين المصالح المتعارضة للدول الأعضاء، إلى جانب قدرته على قيادة جهاز إداري دولي بالغ التعقيد. وتكتسب الرؤية التي يقدمها المرشح بشأن مستقبل الأمم المتحدة أهمية متزايدة في ضوء الإصلاحات التي أُدخلت على عملية الاختيار؛ حيث أصبحت بيانات الرؤية والحوارات التفاعلية وسيلة لتقييم مواقف المرشحين من قضايا السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان وإصلاح المنظمة؛ ومن ثم لم تعد المفاضلة تنصرف إلى السجل المهني للمرشح وحده، وإنما أصبحت تشمل قدرته على تقديم رؤية سياسية ومؤسسية قابلة للتنفيذ، ومدى قدرته على بناء توافق بين الدول الأعضاء.
4- الاعتبارات السياسية الدولية: فالأزمات الدولية القائمة، وطبيعة الصراعات المسلحة، والعلاقات بين القوى الكبرى، وأولويات المنظمة الأممية في المرحلة المقبلة؛ قد تؤثر في تفضيل مرشح على آخر بحسب الخبرة التي يُنظر إلى أنها أكثر ملاءمة للمرحلة؛ لذلك، فإن نتائج المشاورات واستطلاعات الرأي غير الرسمية داخل مجلس الأمن للتوافق على شخص واحد سوف تُبنى في جزء كبير منها على مواقف هؤلاء المرشحين من القضايا والأزمات الدولية الراهنة؛ وهو ما يفيد بأن اختيار الأمين العام يمثل محصلة تفاعل معقد بين المعايير القانونية للكفاءة والجدارة والنزاهة، والاعتبارات السياسية وموازين القوى، والتوازنات الإقليمية، والخبرة الشخصية للمرشحين، ومتطلبات المرحلة الدولية؛ وهذا ما يفسر الطابع السياسي الواضح لهذه العملية بالرغم من خضوعها لإطار قانوني محدد بموجب ميثاق الأمم المتحدة.
تداعيات محتملة:
هناك تداعيات قد تترتب على اختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة، ومنها الآتي:
1- احتمالية تعزيز الدور السياسي والدبلوماسي للأمم المتحدة: قد يكون لعملية اختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة آثار مهمة على مستقبل المنظمة، بالنظر إلى حساسية المرحلة الدولية التي ستبدأ فيها الولاية الجديدة، وما تتسم به من تصاعد النزاعات المسلحة، وتزايد التوترات الجيوسياسية، وتراجع مستويات الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف. وفي هذا السياق، لن تقتصر أهمية الاختيار على تحديد شاغل منصب إداري رفيع، وإنما ستمتد إلى تحديد طبيعة القيادة السياسية والدبلوماسية التي ستتولى توجيه عمل الأمانة العامة خلال السنوات المقبلة. فالأمين العام، بحكم صلاحياته بموجب الميثاق وموقعه المؤسسي، يمتلك قدرة مهمة على استخدام المساعي الحميدة، ولفت انتباه مجلس الأمن إلى التهديدات التي قد تمس السلم والأمن الدوليين، وتعزيز جهود الوساطة وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية؛ وهذا ما يجعل شخصية الأمين العام، وخبرته، ورؤيته؛ كلها عوامل مؤثرة في مستوى حضور الأمم المتحدة وفاعليتها الدولية.
2- التأثير في فاعلية حفظ السلم والأمن الدوليين: لعل من أبرز التداعيات المحتملة، كذلك، تأثير الاختيار في فاعلية الأمم المتحدة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، ولا سيّما في ظل تعدد الأزمات والنزاعات التي تتطلب تدخلاً دبلوماسياً دولياً. فإذا تمتع الأمين العام القادم بقدرة عالية على بناء جسور الحوار بين الدول، والحفاظ على استقلالية الأمانة العامة، واستخدام أدوات الوساطة والإنذار المبكر والمساعي الحميدة بشكل أكثر فعالية؛ فقد يسهم ذلك في تعزيز الدور السياسي للمنظمة واستعادة جانب من قدرتها على التأثير في تسوية الأزمات. أما إذا غلبت على عملية الاختيار الاعتبارات المرتبطة بالتوازنات بين القوى الكبرى على حساب الكفاءة والاستقلالية؛ فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرة الأمين العام على التحرك بصورة مستقلة، وإلى استمرار القيود السياسية التي تحد من قدرة المنظمة على الاستجابة الفعالة للأزمات الدولية.
3- التأثير في مصداقية الأمم المتحدة وخطة إصلاحها: يمكن أن ينعكس اختيار الأمين العام الجديد على مستقبل النظام متعدد الأطراف ومصداقية الأمم المتحدة، خصوصاً في ظل الانتقادات المتزايدة بشأن عجز المنظمة عن التعامل الحاسم مع عدد من الأزمات الدولية، والتوتر القائم بين مبدأ المساواة القانونية بين الدول وبين واقع التفاوت في النفوذ السياسي داخل المنظمة؛ ومن ثم فإن اختيار شخصية قادرة على تحقيق قدر من التوازن بين مصالح القوى الكبرى ومصالح الدول النامية، وتعزيز الحوار بين مختلف المجموعات الإقليمية؛ يمكن أن يسهم في دعم شرعية المنظمة واستعادة الثقة في مؤسساتها. كما قد يكون للأمين العام القادم دور بارز في دفع أجندة إصلاح الأمم المتحدة، سواء فيما يتعلق بإصلاح مجلس الأمن، أو تعزيز كفاءة الأمانة العامة، أو تطوير آليات الاستجابة للأزمات العالمية، أو تعزيز التعاون الدولي في مجالات التنمية وتغير المناخ والأمن الدولي.
4- ضبط العلاقة بين الأمانة العامة والدول الأعضاء في الأمم المتحدة: قد تمتد تداعيات الاختيار إلى طبيعة العلاقة بين الأمانة العامة وبقية أجهزة الأمم المتحدة والدول الأعضاء؛ إذ سيكون على الأمين العام الجديد تحقيق توازن دقيق بين استقلالية الأمانة العامة من جهة، واحترام إرادة الدول الأعضاء واختصاصات أجهزة المنظمة من جهة أخرى. كما ستتوقف قدرته على إحداث تأثير ملموس على مدى تمتعه بثقة واسعة من الدول الأعضاء، وقدرته على بناء توافقات سياسية تتجاوز الانقسامات التقليدية داخل المنظمة.
في ضوء ما تقدم، يتضح أن اختيار الأمين العام للأمم المتحدة؛ هو عملية قانونية وسياسية بالغة الأهمية تتقاطع فيها قواعد الميثاق مع اعتبارات التوازنات الدولية. وقد أسهم تطور الممارسات والإجراءات، ولا سيّما منذ اعتماد القرارين (69/321) و(79/327)؛ في تعزيز شفافية عملية الاختيار وتوسيع مشاركة الدول الأعضاء، دون أن يمس ذلك بالدور الحاسم لمجلس الأمن في تقديم التوصية اللازمة لتعيين الأمين العام. ومن ثم، فإن نجاح هذه العملية يظل رهيناً بمدى تحقيق التوازن بين الكفاءة والنزاهة والاستقلالية من جهة، ومتطلبات التوافق السياسي والتمثيل الجغرافي من جهة أخرى؛ بما يفضي إلى اختيار قيادة قادرة على تعزيز فاعلية الأمم المتحدة واستعادة الثقة في العمل متعدد الأطراف، والاضطلاع بدور أكثر تأثيراً في حفظ السلم والأمن الدوليين وتسوية المنازعات ومواجهة التحديات العالمية المتزايدة.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
المصدر: جريدة الوطن

