“عدم الانحياز المحيطي”: ملامح الصراع الأمريكي- الصيني المقبل في غرب ووسط المحيط الهادئ
في السابع من أغسطس 2026، اجتمع وزراء خارجية دول منتدى جزر المحيط الهادئ حول مائدة واحدة في سوفا، عاصمة فيجي؛ إحدى أهم الدول الجزرية في المحيط الهادئ، وكان أمامهم، في الظاهر، أمر بسيط؛ وهو الاتفاق على بيان يُعبِّر عن موقف جماعي تجاه تجربة صينية لصاروخ بالستي عابر للقارات عبر المحيط الهادئ؛ لكن الوزراء دخلوا الاجتماع، وانتهى اجتماعهم من دون أن يخرج البيان إلى النور.
والحقيقة أن ما فَشِلَ فيه الوزراء في سوفا لم يكن مجرد الاتفاق على صياغة بضعة أسطر دبلوماسية، بل كان شيئاً أكبر بكثير؛ فما ظهر حول المائدة كان أزمة نظام إقليمي كامل، وجد نفسه فجأة في قلب منافسة متصاعدة بين قوتين كبريين هما الولايات المتحدة والصين.
كانت الصين قد أجرت، في السادس من يوليو 2026؛ تجربة لصاروخ بالستي عابر للقارات قادر على حمل رؤوس نووية؛ قَطَعَ مسافة طويلة فوق المحيط الهادئ قبل سقوطه في منطقة بحرية بين جزر سليمان وناورو وتوفالو. وقال الصينيون إن هذا الاختبار، وهو الثالث من نوعه في المحيط الهادئ بَعد تجربتي 1980 و2024؛ روتيني ومتوافق مع القانون الدولي ولا يَستهدف أحداً.
لكن الآخرين لم يروا تجربة الصاروخ الصيني الأخيرة بهذه البساطة، فقد اعتبرتها أستراليا عاملاً لزعزعة الاستقرار، وطالبت توفالو برد إقليمي، وأبدت اليابان والفلبين اعتراضهما، فيما حذر وزير الخارجية النيوزيلندي، وينستون بيترز، من السماح بأن تصبح مثل هذه الاختبارات أمراً عادياً.
حمل الصاروخ الصيني رسالتين وليس رسالة واحدة. الرسالة الأولى عسكرية، تقول إن بكين تريد إظهار قدرتها على الردع والوصول إلى أعماق المحيط الهادئ. والثانية سياسية، ظهرت نتائجها في سوفا؛ حيث لم تستطع الولايات المتحدة وحلفاؤها تحويل القلق من القوة الصينية إلى موقف إقليمي مُوحَّد ضد بكين؛ فكيريباتي وناورو، اللتان نقلتا اعترافهما الدبلوماسي من تايوان إلى الصين في عامي 2019 و2024 على التوالي؛ أصبحتا في قلب الجدل حول غياب التوافق بين دول المنتدى.
وبصرف النظر عن تفاصيل المسؤولية عن تعطيل البيان، فإن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن الصين أصبحت حاضرة داخل الحسابات السياسية لدول منطقة جزر المحيط الهادئ إلى درجة تجعل عزلها جماعياً أكثر صعوبة؛ وهذا بحد ذاته يُعد تطوراً استراتيجياً لافتاً ومهماً.
حرب الشبكات بين الردع والتطويق:
هناك قاعدة قديمة في العلاقات الدولية تقول إن التكنولوجيا تتغير، والتحالفات تتغير؛ لكن الجغرافيا تبقى. وجغرافيا المحيط الهادئ هائلة، فعلى هذه المساحة الشاسعة تنتشر جزر صغيرة تبدو على الخرائط كنقاط متناثرة في زرقة لا تنتهي؛ ولكن هذه النقاط، حين تُوضَع على خرائط الاستراتيجية العسكرية تتحول إلى مطارات وموانئ ومحطات رادار ومخازن وقود وذخيرة وعُقَد اتصالات ومواقع مراقبة؛ ومن هنا تبدأ قصة “حرب الجزر” بين واشنطن وبكين.
الولايات المتحدة تنظر إلى غرب ووسط المحيط الهادئ باعتباره عمقاً استراتيجياً لا غِنَى عنه إذا وَقَعَت أزمة كبرى مع الصين، خصوصاً حول تايوان. وتبرز هنا شبكة تمتد من اليابان والفلبين وصولاً إلى غوام، ثم بالاو وولايات ميكرونيزيا الموحدة وجزر مارشال.
والصين ترى الخريطة نفسها، ولكن من الجانب الآخر؛ فما تسميه واشنطن شبكة ردع يمكن أن تراه بكين شبكة تطويق، وما تعتبره الولايات المتحدة دفاعاً عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ “الإندوباسيفيك” حرة ومفتوحة؛ يمكن أن تراه الصين محاولة لبناء أحزمة جغرافية تَحُد من قدرتها على الحركة في المحيط. وهكذا تعود الجغرافيا لكي تفرض منطقها.
لكن الخطأ هو تصوُّر أن المنافسة الصينية الأمريكية المقبلة في المحيط الهادئ سوف تكون سباقاً تقليدياً لبناء القواعد العسكرية؛ فالقاعدة العسكرية الكبيرة أصبحت هدفاً كبيراً أيضاً. والدرس الذي استخلصته واشنطن من تطوُّر الترسانة الصاروخية الصينية؛ هو أن الاعتماد على عدد محدود من المنشآت الرئيسية -وفي مقدمتها غوام- يحمل مخاطر متزايدة؛ ولهذا تتجه الاستراتيجية الأمريكية في السنوات الأخيرة إلى توزيع القوة بين مطارات يمكن استخدامها عند الضرورة، وموانئ تستقبل القطع البحرية الأمريكية، ومخازن وقود وذخيرة، ورادارات، ومنشآت اتصالات، وحقوق وصول عسكري؛ أي إن المطلوب من جانب دوائر صنع القرار العسكري والسياسي في واشنطن هو عدم السيطرة على جزر المحيط الهادئ بشكل مباشر، وإنما ضمان استخدامها عندما تأتي ساعة الأزمة.
ومن جهتها، تتحرك الصين بمنطق مختلف، ولكن باتجاه نتيجة مشابهة؛ فهي تبني الموانئ وتُموِّل البنية التحتية وتُوسِّع التجارة والاتصالات. وبالطبع، ليس كل ميناء صيني قاعدة عسكرية؛ لكن الاستراتيجي والمُخطِّط الأمريكي ينظر دائماً إلى السؤال التالي: ماذا يمكن أن يصبح هذا الميناء بعد عشر سنوات؟ ومن هنا تتحول “حرب الجزر” إلى حرب شبكات.
المعضلة الأمنية مرة أخرى:
بالعودة إلى الصاروخ الصيني نفسه؛ فحين تُطلِق بكين صاروخاً بالستياً عابراً للقارات يمكنه حمل رؤوس نووية عبر المحيط الهادئ؛ فإن المسألة لا يمكن فصلها عن التحولات الجارية في معادلات الردع بين الصين والولايات المتحدة؛ فالصين تُوسِّع وتُحدِّث قدراتها النووية والصاروخية. والولايات المتحدة تعيد تحديث منظومتها النووية وتُوسِّع انتشارها في الإندوباسيفيك. وأستراليا تدخل مرحلة جديدة من قدراتها البحرية من خلال شراكة “أوكوس”، فيما تتعزز التحالفات الأمريكية مع اليابان والفلبين.
وهكذا يبدأ المنطق القديم والخطر؛ فكل طرف يقول إنه يتسلح لأنه يخشى الطرف الآخر. واشنطن تزيد وجودها لأنها تخشى الصين، وبكين تُطوِّر صواريخها لأنها تخشى تطويقها، ثم تشير واشنطن إلى الصواريخ الصينية لكي تُبرِرَ مزيداً من الانتشار؛ وهذه هي المعضلة الأمنية في صورتها الأكثر وضوحاً. الجميع يستعد للحرب لكي يمنعها؛ لكن الاستعداد نفسه يجعل الحرب أكثر احتمالاً.
ومع ذلك، فإن مَنْ ينظر إلى السفن والصواريخ وحدها لن يرى الصورة كاملة؛ فتحت مياه المحيط الهادئ تمر الكابلات البحرية التي تحمل الاتصالات والبيانات. وعلى الجزر تُقام شبكات الجيل الجديد من الاتصالات. وفي البحار المحيطة بها تُوجَد ثروات سمكية ومناطق اقتصادية خالصة هائلة، إضافة إلى الاهتمام المتزايد بموارد قاع المحيط والمعادن الحرجة.
ولهذا لا ترغب دول المنطقة في أن يصفها الآخرون باعتبارها مجرد “دول جزرية صغيرة”، بل إنها تريد أن تُقدِّم نفسها باعتبارها “دولاً محيطية كبيرة”. والفرق بين التعبيرين ليس لغوياً، بل هو إعلان سياسي بأن الدولة التي قد لا تمتلك سوى بضعة كيلومترات من اليابسة يمكن أن تكون مسؤولة عن مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة من البحر؛ وهنا تتغير قيمة الدولة، ويتغير معها سعر موقعها في لعبة القوى الكبرى.
الفاعلون الآخرون.. تآكل المجال التقليدي:
هناك فاعل آخر حاضر في المحيط الهادئ حتى حين لا يَظهر على المسرح، وهو تايوان؛ فكيريباتي حولت اعترافها الدبلوماسي من تايبيه إلى بكين في عام 2019، وفعلت ناورو الشيء نفسه في عام 2024. وفي المقابل، ما زالت دول أخرى في المحيط الهادئ تحتفظ بعلاقاتها مع تايوان؛ ومن ثم فإن كل جزيرة في المحيط الهادئ تتحول دبلوماسياً من تايبيه إلى بكين لا تُمثل مجرد صوت آخر في الأمم المتحدة، بل قطعة أخرى تتحرك على رقعة أكبر؛ وهكذا يصبح الصراع على الجزر جزءاً من المعركة الصينية لعزل تايوان، مثلما يصبح الحفاظ على حضور تايبيه جزءاً من مقاومة تمدُد النفوذ الصيني.
ومن ناحية أخرى، تدرك كلٌ من أستراليا ونيوزيلندا أن المسألة في المحيط الهادئ تتجاوز الصين؛ فالأمر يتعلق أيضاً بموقع كلتيهما. فلعقود طويلة، كان جنوب المحيط الهادئ مجالاً يكاد يكون طبيعياً لنفوذهما: المساعدات تأتي منهما، والضمانات الأمنية ترتبط بهما، والعلاقات السياسية تتحرك في مدارهما؛ ثم جاءت الصين بالتجارة والقروض والموانئ والطرق والمساعدات التنموية، ثم جاءت الدبلوماسية، وبعدها ظهرت الاتفاقيات الأمنية.
وردَّت كانبرا خلال السنوات الأخيرة بتوسيع شبكة الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية مع دول المنطقة، من بابوا غينيا الجديدة وتوفالو إلى ناورو وفانواتو وفيجي؛ بينما شهدت علاقة نيوزيلندا بجزر كوك توترات مرتبطة بتنامي علاقات الأخيرة مع بكين؛ ولهذا فإن القلق في كانبرا وويلينجتون ليس فقط من أن الصين أصبحت أقوى، وإنما من أن الآخرين أصبح لديهم بديل. وهنا تكمن المشكلة؛ فالضغط الزائد على دول الجزر لكي تختار قد يدفعها إلى رفض الاختيار نفسه.
نحو “عدم الانحياز المحيطي”:
ربما تكون نتيجة كل ما جرى في سوفا؛ أن الدول الجزرية في المحيط الهادئ ليست بالضرورة راغبة في أن تصبح أمريكية أو صينية؛ فهذه الدول قد تريد التجارة مع الصين، والمساعدات الأمنية من أستراليا، والضمانات العسكرية الأمريكية، والاستثمارات اليابانية، والدعم المناخي الأوروبي، والعلاقات مع الهند وفرنسا؛ في الوقت نفسه؛ أي إنها قد تكون بصدد ابتكار نوع من “عدم الانحياز المحيطي”؛ وهي سياسة لا تقوم على الوقوف على مسافة متساوية من الجميع، وإنما على رفض أن يتحول التعاون مع طرف إلى التزام بالعداء للطرف الآخر. وإذا نجحت هذه الدول في تنسيق موقفها؛ فقد تتحول المفارقة إلى حقيقة استراتيجية جديدة، مفادها أن دولاً صغيرة في عدد السكان؛ لكنها كبيرة في الجغرافيا؛ تَستخدِم تنافُس العمالقة لكي تُوسِّع مساحة استقلالها.
لكل ذلك، كان اجتماع السابع من أغسطس لوزراء خارجية منتدى جزر المحيط الهادئ مهماً؛ فالصاروخ الصيني سوف يُسجَّل في سجلات الاختبارات العسكرية؛ لكن البيان الدبلوماسي الذي لم يَصدر قد يبقى أكثر دلالة في سجلات السياسة والدبلوماسية؛ لأنه كشف أن الصراع في المحيط الهادئ لم يَعُد صراعاً بين الصين والولايات المتحدة وحدهما، وإنما أصبح هناك طرف ثالث بدأ يرفع صوته؛ وهو أصحاب الجزر أنفسهم.
ومن ناحية أخرى، ربما لا تكون “حرب الجزر” المقبلة بين واشنطن وبكين حرباً تُطلَق فيها المدافع، فهي، على الأرجح؛ ستكون حرب موانئ ومطارات وكابلات واتفاقيات ومساعدات وأصوات دبلوماسية وحقوق وصول عسكري. وفي الغالب، سيكون الهدف الأمريكي في هذه الحرب هو منع الصين من استخدام هذه الجزر كقواعد عسكرية. وبالمثل، سيكون الهدف الصيني، على الأرجح، هو منع واشنطن من تحويل هذه الجزر إلى جدار. وبين الاثنين، سوف تحاول دول المحيط الهادئ أن تفعل شيئاً أصعب؛ وهو ألا تصبح الجغرافيا التي يعيش عليها أهلها مجرد ميدان لمعارك الآخرين.
ومن هنا، فإن السؤال بَعد سوفا لم يَعُد هو هل تصل المنافسة الصينية الأمريكية إلى جزر المحيط الهادئ؛ لأنها قد وصلت بالفعل. وإنما السؤال الملح حالياً هو من يكتب قواعد المحيط الجديدة؟ واشنطن التي تريد الاحتفاظ بجغرافيا الردع؟ أم بكين التي تريد كسر جغرافيا الاحتواء؟ أم تستطيع دول الجزر أن تفرض إجابة ثالثة تقول إن المحيط الهادئ ليس رقعة شطرنج، وإن أصحاب الجزر ليسوا قِطعاً عليها؟ وربما كان البيان الذي لم يَصدر في سوفا أول إشارة على أن الإجابة الثالثة لم تَعُد مستحيلة.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
المصدر: جريدة الوطن

