2000 شركة ألمانية تعزز حضورها في أسواق الإمارات
تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية ألمانيا الاتحادية بثبات نحو مرحلة أكثر تقدماً في مسيرة علاقاتهما الثنائية، مستندتين إلى شراكة استراتيجية راسخة تمتد جذورها لأكثر من خمسة عقود، وتتسع اليوم لتشمل مجالات السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والابتكار، إلى جانب العمل المشترك من أجل دعم الأمن والاستقرار والسلام إقليمياً ودولياً.
وتعكس مسيرة العلاقات بين البلدين، التي انطلقت رسمياً قبل نحو 54 عاماً، قدرة الإمارات وألمانيا على بناء نموذج للشراكات الدولية يقوم على الثقة والمصالح المتبادلة والتكامل في الإمكانات، ويتطور باستمرار لمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، لاسيما مع تنامي أهمية قطاعات الطاقة النظيفة والصناعة المتقدمة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
شراكة اقتصادية متنامية
ويشكل الاقتصاد أحد أبرز مرتكزات العلاقات الإماراتية الألمانية، إذ تعد دولة الإمارات الشريك التجاري الأول لألمانيا عربياً، فيما تعد ألمانيا أكبر شريك تجاري أوروبي للدولة، وتستحوذ الإمارات على نحو 22% من إجمالي التجارة العربية الألمانية.
وتعكس المؤشرات التجارية زخماً متصاعداً في العلاقات الاقتصادية، إذ بلغ إجمالي التجارة غير النفطية بين البلدين 15.56 مليار دولار خلال عام 2025، بنمو نسبته 14.55% مقارنة بعام 2024، فيما تجاوزت التجارة الثنائية 13.56 مليار يورو، بما يعزز مكانة الإمارات بوصفها الشريك الاقتصادي الأهم لألمانيا في منطقة الخليج العربي.
ويؤكد وجود نحو 2000 شركة ألمانية تعمل في دولة الإمارات جاذبية بيئة الأعمال المحلية وما توفره من بنية تحتية متطورة ومنظومة تشريعية مرنة وربط لوجستي متقدم وموقع جغرافي استراتيجي، يجعل من الدولة منصة رئيسية للشركات الساعية إلى الوصول إلى أسواق المنطقة والعالم.
وتكتسب الشراكة الاقتصادية بين البلدين أهمية إضافية من التكامل بين ما تمتلكه ألمانيا من قاعدة صناعية وتكنولوجية وهندسية متقدمة وخبرات واسعة في البحث والتطوير، وبين ما توفره الإمارات من قدرات استثمارية ورأس مال وبنية تحتية حديثة وبيئة أعمال تنافسية وموقع يربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
وتشهد الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا بدورها توسعاً نحو قطاعات استراتيجية ترتبط بالصناعة والطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية. وتبرز في هذا الإطار صفقة استحواذ «XRG» على «كوفيسترو» الألمانية، إلى جانب مشروع توسعة «الإمارات العالمية للألمنيوم» واستثمارات مجموعة موانئ أبوظبي، بوصفها نماذج على انتقال العلاقات بين البلدين من التبادل التجاري التقليدي إلى بناء شراكات صناعية واستثمارية طويلة الأمد.
جاذبية متزايدة للشركات الألمانية
وشهدت الأسواق الإماراتية دخول أكثر من 1,655 شركة ألمانية جديدة منذ بداية يناير وحتى مطلع نوفمبر 2025، مسجلة نمواً بنسبة 20.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما استقطبت الدولة 627 علامة تجارية ألمانية جديدة، منها 160 علامة محلية و467 علامة دولية، في مؤشر يعكس اتساع حضور مجتمع الأعمال الألماني واستفادته من الفرص التي توفرها السوق الإماراتية.
وتستند هذه الجاذبية إلى مجموعة واسعة من الممكنات، من بينها السماح بالتملك الأجنبي للشركات بنسبة 100%، وتوفير منظومة تشريعية حديثة ومرنة تشمل الوكالات التجارية والشركات العائلية والتعاونيات والتجارة الإلكترونية والمنافسة، إلى جانب إتاحة أكثر من ألفي نشاط اقتصادي، وتوفير مزايا ضريبية وإقامات طويلة الأمد للمستثمرين ورجال الأعمال ومناطق اقتصادية حرة تتيح تأسيس الأعمال والتوسع فيها.
الطاقة والتكنولوجيا في صدارة التعاون
ومع مواصلة دولة الإمارات جهودها لتنويع اقتصادها وتطوير قطاعات المعرفة والصناعة المتقدمة والتكنولوجيا والابتكار، بالتوازي مع مساعي ألمانيا لتعزيز تنافسية قاعدتها الصناعية وتحديثها، تتزايد الفرص أمام البلدين لتطوير تعاون صناعي وتكنولوجي واستثماري أكثر عمقاً.
ويأتي قطاع الطاقة في مقدمة مجالات التعاون الاستراتيجي، حيث تتنوع الشراكات بين الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة وتقنيات المناخ، في ظل توجه البلدين إلى دعم التحول نحو أنظمة طاقة أكثر استدامة وتعزيز أمن الطاقة.
كما تفتح التطورات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي مجالات إضافية للتعاون في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني والتقنيات الصناعية الدقيقة، مستفيدة من القدرات البحثية والصناعية الألمانية والإمكانات الاستثمارية والتكنولوجية المتنامية في الإمارات.
ويمتد التعاون إلى التعليم المهني والبحث العلمي وبناء المهارات وتطوير الكفاءات والابتكار، وهي مجالات تكتسب أهمية متزايدة في ظل التحول العالمي نحو الاقتصادات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا.
السياحة تعزز التقارب بين الشعبين
ولا تقتصر الشراكة الإماراتية الألمانية على الاقتصاد والاستثمار، بل تشمل أيضاً قطاع السياحة والتبادل الثقافي والتواصل بين الشعبين، حيث استقبلت الإمارات نحو 165 ألف سائح ألماني خلال عام 2024، فيما يشكل السياح الإماراتيون ما بين 25 و30% من إجمالي السياح القادمين إلى ألمانيا من دول الخليج، ويمثلون الشريحة الأكبر خليجياً.
وتدعم شبكة الرحلات الجوية المباشرة هذا الزخم المتنامي، إذ تسير «الاتحاد للطيران» رحلات إلى ثلاث وجهات ألمانية هي دوسلدورف وميونيخ وفرانكفورت، بما يسهم في تعزيز حركة السياحة والأعمال والاستثمار والتبادل المجتمعي.
شراكة للمستقبل
وتشكل العلاقات الإماراتية الألمانية جزءاً مهماً من الشراكة الأوسع والمتنامية بين دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي، في وقت تعد فيه ألمانيا واحدة من أبرز الشركاء التجاريين للدولة داخل الاتحاد من حيث حجم التبادل التجاري غير النفطي.
وبعد أكثر من خمسة عقود على انطلاق العلاقات الدبلوماسية، تدخل الشراكة بين الإمارات وألمانيا مرحلة جديدة لا تقتصر على توسيع حجم التجارة والاستثمارات، وإنما تمتد إلى بناء منظومة تعاون أكثر شمولاً في القطاعات التي سترسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
فالتكامل بين الخبرة الصناعية والبحثية والتكنولوجية الألمانية، وبين الرؤية الاستثمارية والبنية التحتية المتقدمة والربط العالمي الذي توفره الإمارات، يمنح البلدين قاعدة قوية للانتقال بشراكتهما إلى آفاق أوسع، وتحويل ما يمتلكانه من إمكانات إلى مشاريع وفرص مشتركة تدعم النمو والابتكار وتعزز مرونة الاقتصادات وسلاسل الإمداد، وتؤسس لشراكة أكثر استدامة وقدرة على مواكبة متطلبات المستقبل.
المصدر: جريدة الوطن

