Close Menu
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    الملتقيالملتقي
    • الرئيسية
    • محليات
    • مال وأعمال
    • منوعات
    • جديد التقنية
    • عربي ودولي
    • رياضة
    الملتقيالملتقي
    الرئيسية»مال وأعمال»«فن التشوليب في الموروث الإماراتي».. ذاكرة الفروسية وصوت الهوية
    مال وأعمال

    «فن التشوليب في الموروث الإماراتي».. ذاكرة الفروسية وصوت الهوية

    فريق التحريربواسطة فريق التحرير12 أغسطس، 2026
    فيسبوك تويتر بينتيريست رديت تيلقرام لينكدإن Tumblr VKontakte واتساب البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر رديت بينتيريست البريد الإلكتروني

    قراءة- الدكتور عبدالرحمن الشميري

    تشرفت خلال لقاء معالي الشيخ زايد بن حمد آل نهيان، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للخيول العربية، بالحصول على نسخة مهداة من كتاب «فن التشوليب في الموروث الإماراتي»، وهي هدية أعتز بها لما تحمله من قيمة معرفية ووطنية، ولما يجسده هذا الإصدار من اهتمام كبير بحفظ أحد أبرز الفنون التراثية المرتبطة بالخيل العربية والفروسية في دولة الإمارات.

    ومنذ الصفحات الأولى، ندرك أننا أمام عمل توثيقي استثنائي لم يقتصر على جمع المعلومات، بل قدم مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يجمع بين التاريخ، والرواية الشفوية، والشواهد الأثرية، والقصائد الشعبية، والصور النادرة، والوثائق التاريخية، في معالجة علمية دقيقة ولغة سلسة تجعل القراءة ممتعة وغنية في آنٍ واحد، ويحسب للكتاب أنه لم يكتفِ بالتعريف بفن التشوليب، بل أعاد تقديمه في سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي، ليكشف عمق ارتباطه بالهوية الإماراتية وبالقيم التي جسدتها الفروسية عبر الأجيال.

    ولعل أكثر ما يميز هذا الإصدار أنه ينجح في تحويل التراث من مجرد حكايات تُروى إلى ذاكرة موثقة تحفظ للأجيال تفاصيل هذا الفن الأصيل، وتبرز مكانته بوصفه جزءًا من تاريخ الإمارات وثقافتها، كما يلفت الانتباه حجم الجهد البحثي المبذول في إعداد الكتاب، ودقة التوثيق، وتنوع مصادره، الأمر الذي يجعله مرجعًا مهمًا لكل مهتم بالتراث والفروسية والأدب الشعبي الإماراتي.

    وفي السطور التالية، أشارككم قراءة لهذا الكتاب القيّم، الذي أراه واحدًا من أبرز الإصدارات التي أسهمت في توثيق أحد الكنوز التراثية لدولة الإمارات، وحفظه بأسلوب يليق بقيمته التاريخية والثقافية، ويؤكد أن صون الموروث لا يكون باستحضار الماضي فحسب، بل بتوثيقه وتقديمه للأجيال القادمة بصورة تضمن استمراره وحضوره في الذاكرة الوطنية.

    فحين تتحول الفروسية من مهارة إلى ثقافة، ومن علاقة بين الفارس وجواده إلى منظومة من القيم والشعر والإيقاع والذاكرة، يصبح توثيقها أبعد من مجرد استعادة للماضي؛ إنه حفظ لجزء أصيل من هوية المجتمع.

    يأخذنا كتاب «فن التشوليب في الموروث الإماراتي» في رحلة للتعرّف على هذا الفن التراثي، والاقتراب من جذوره ودلالاته ومكانته في المجتمع الإماراتي، كاشفًا جانبًا مهمًا من الذاكرة الشعبية التي أسهمت في تشكيل ملامح الهوية الوطنية، فالكتاب لا يقدّم لنا فنًا من الماضي فحسب، بل يفتح نافذة على إرث ثقافي حي يستحق أن يُوثّق ويُعرّف به، ليظل حاضرًا في وجدان الأجيال القادمة.

    ويأتي الكتاب بوصفه إصدارًا توثيقيًا متميزًا عن جمعية الإمارات للخيول العربية، حظي بإشراف ومتابعة مباشرة من معالي الشيخ زايد بن حمد آل نهيان، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للخيول العربية، واضعًا نصب عينيه رصد وتوثيق أحد أبرز الفنون التراثية الحربية القديمة المرتبطة بالخيل والفروسية والهوية الوطنية في دولة الإمارات. ومن هنا تتجاوز أهميته حدود التعريف بفن شعبي، ليصبح مشروعًا ثقافيًا وتوثيقيًا يسعى إلى حفظ الذاكرة، واستعادة التفاصيل التي صنعت هذا الفن، وربطها بسياقها التاريخي والاجتماعي.

    وفي صميم هذه الرؤية التوثيقية، يبرز الاهتمام الذي تحظى به الخيل العربية والفروسية في دولة الإمارات، بوصفهما جزءًا أصيلًا من الموروث الوطني، وإرثًا تتواصل مسؤولية الحفاظ عليه ونقله من جيل إلى آخر.

    القيادة واستمرار نهج صون الخيل

    وفي صميم هذه الرؤية التوثيقية، يبرز الاهتمام الذي تحظى به الخيل العربية والفروسية في دولة الإمارات، بوصفهما جزءًا أصيلًا من الموروث الوطني، وإرثًا تتواصل مسؤولية الحفاظ عليه ونقله من جيل إلى آخر.

    وفي هذا السياق تبرز كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي يوردها الكتاب: «يجب حماية السلالات العربية الأفضل بالعالم والاهتمام بها وتشجيع الأجيال القادمة على ضرورة النهوض بها باعتبارها رياضة درج الآباء والأجداد على تعلمها وتشجيعها واهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بتربية وحماية سلالات الخيول العربية باعتبارها أرقى وأفضل فصائل الخيل وأكثرها نجاحًا في تصدر المراتب الأولى في سباقات الخيل العالمية».

    وتضع هذه الكلمات البعد التراثي جنبًا إلى جنب مع مسؤولية المستقبل؛ فالمطلوب ليس الاحتفاء بالماضي فقط، وإنما تأهيل جيل جديد يحمل تلك المعرفة ويواصلها.

    ويأتي بعد ذلك ما يورده الكتاب لسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للخيول العربية: «الجواد العربي هو رمز الفخامة والأصالة، وهو جزء من هويتنا وتراثنا، والمحافظة على هذا الإرث واستمراره هو واجب وطني نفخر به دائمًا ونجاهد من أجل تحقيقه». وبذلك تتشكل في الكتاب رؤية متكاملة: الخيل إرث، والفروسية هوية، وصونهما مسؤولية وطنية.

    ومن هذه المساحة الثرية يأتي كتاب «فن التشوليب في الموروث الإماراتي»، ليضع بين دفتيه واحدًا من الفنون المرتبطة بتاريخ الفروسية في دولة الإمارات، ويقدم قراءة واسعة لجذوره ومضامينه وطقوس أدائه وتطوره، وصولًا إلى حضوره المعاصر داخل الدولة وخارجها.

    وتبدو فلسفة الكتاب منذ صفحاته الأولى متصلة بتلك العلاقة العميقة بين الإنسان والخيل التي عبّر عنها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بقوله: «الفرس العربي الأصيل مخلوق ذو خواص رفيعة وأداء متميز، وإن الإعجاب الكبير بهذه الروعة والأصالة في الماضي والحاضر ليؤكد العلاقة الخاصة التي نشأت بين الإنسان والخيل العربية الأصيلة على مر القرون».

    هذه العلاقة هي المدخل الأوسع لفهم التشوليب؛ فالفن الذي يتناوله الكتاب لا يمكن فصله عن الخيل العربية أو عن الفارس، ولا عن منظومة اجتماعية وثقافية كاملة صنعتها بيئة عرفت الخيل وارتبطت بها وجدانًا وممارسةً. ومن هنا، لا يقدم الكتاب التشوليب بوصفه عرضًا فولكلوريًا منفصلًا، وإنما يكشف عن عالم تتقاطع داخله الفروسية والشعر والحماسة والموسيقى والحركة والشجاعة والانتماء.

    الخيل.. تاريخ أبعد من الذاكرة

    ومن نقاط القوة في الكتاب أنه لا يبدأ بتاريخ التشوليب الحديث مباشرة، بل يعود بالقارئ إلى جذور حضور الخيل في المنطقة، مستعينًا بالشواهد التاريخية والأثرية والمراجع التي تكشف عمق العلاقة بين الإنسان والخيل في أرض الإمارات.

    ويعرض الكتاب نماذج من الاكتشافات الأثرية في مليحة بإمارة الشارقة، وما كشفت عنه من هياكل عظمية مدفونة ومظاهر مرتبطة بالخيل، إلى جانب شواهد أخرى يستند إليها في رسم سياق تاريخي واسع. والغاية هنا ليست فقط البحث عن لحظة محددة لنشأة التشوليب، وإنما وضعه داخل تاريخ أقدم للفروسية وعلاقة الإنسان العربي بالجواد.

    وهذا الامتداد التاريخي يمنح القراءة عمقًا واضحًا؛ إذ يصبح التشوليب حلقة في سلسلة ثقافية طويلة، لا ظاهرة عابرة نشأت مع الاحتفالات الحديثة.

    ولذلك تتجاوب هذه الرؤية مع كلمات المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، التي يوردها الكتاب: «الجواد العربي الأصيل هو رمز وقيمة حضارية تحتاج إلى جهد الجميع كل في مجال اختصاصه من أجل توفير الظروف المثالية لهذا الجواد ليدخل طرفًا أساسيًا في كافة فعاليات الفروسية، الأمر الذي يحتاج إلى اتباع البحث العلمي واستخدام التطور التكنولوجي للارتقاء بالجواد العربي الأصيل على كافة الأصعدة وفي مختلف الميادين».

    وهنا ينتقل الكتاب من النظر إلى الخيل باعتبارها جزءًا من التاريخ إلى التعامل معها بوصفها قيمة حضارية مستمرة، الأمر الذي يفسر المكانة التي احتلتها الفروسية وما ارتبط بها من فنون في الذاكرة الإماراتية.

    ما هو التشوليب؟

    يضع الكتاب القارئ أمام مفهوم التشوليب بوصفه فنًا مرتبطًا بالفارس والجواد، يقوم على أداء جماعي تتداخل فيه حركة الخيل مع الأهازيج والأبيات الحماسية، وتظهر خلاله قدرات الفرسان على التحكم والانسجام مع جيادهم.

    وبذلك لا يقوم التشوليب على عنصر منفرد، وإنما على حالة كاملة: جواد، وفارس، وقصيدة، وإيقاع، وحركة، وجمهور، ومناسبة.

    فالفرسان يؤدون حركات واستعراضات متناسقة، فيما ترتفع الكلمات والأهازيج ببث الحماسة وإظهار القوة والإقدام. وهذا ما تختصره بصورة شديدة الدلالة كلمة معالي الشيخ زايد بن حمد آل نهيان التي يوردها الكتاب: «التشوليب يعكس روح الفارس القتالية وانسجامه مع الخيل لبث الحماس وكسر العدو».

    إنها عبارة تفتح بابًا لفهم فلسفة الفن ذاته؛ فالتشوليب لا يختبر مهارة الفارس وحدها، وإنما يقيس مقدار الانسجام بينه وبين حصانه، كما يجعل من الشعر أداة لتحريك المشاعر وشحذ الهمم.

    ولهذا فإن المشهد في التشوليب ليس فرجة بصرية فحسب، بل أداء تتكامل فيه عناصر متعددة لتنتج صورة للفروسية العربية بما تحمله من قوة وشهامة واعتزاز.

    من الذاكرة الشفوية إلى الوثيقة

    من أهم ما يميز الكتاب أنه يتعامل مع التراث الشفهي باعتباره مادة تحتاج إلى جمع وتسجيل وحماية. فالكثير من الفنون الشعبية بقيت لعقود تنتقل عبر الرواية والممارسة، وهو ما يجعلها عرضة لفقدان التفاصيل بتعاقب الأجيال.

    ولهذا يجمع الكتاب بين الروايات الشفوية والشهادات الشخصية والمراجع التاريخية والقصاصات الصحفية والصور والوثائق، ويضعها جنبًا إلى جنب، بحيث يستطيع القارئ متابعة التشوليب عبر مصادر متنوعة.

    كما يستعيد الكتاب شهادات من عاصروا هذا الفن ومارسوه أو تابعوه، ومن بينها شهادة العميد المتقاعد حسين محمد الحمادي، مدير مركز شرطة الفرسان سابقًا، التي تستحضر طبيعة عروض التشوليب وتشكيل الفرسان وحركتهم أمام الجمهور، بما يمنح المادة بعدًا إنسانيًا حيًا لا توفره الوثيقة المكتوبة وحدها.

    وهنا تتضح إحدى أهم قيم الكتاب: إنقاذ الذاكرة الشفوية من التلاشي وتحويلها إلى ذاكرة مكتوبة قابلة للدراسة والاستعادة.

    زايد والخيل.. حضور في ذاكرة التشوليب

    ويحتل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حضورًا بارزًا في الصفحات التي تتناول تاريخ الفروسية في الإمارات، فالكتاب يوثق بالصور عددًا من المناسبات المرتبطة بالخيل والفروسية منذ مراحل مبكرة من عمر الدولة، ويستعيد مشاهد تاريخية للقائد المؤسس في عروض الخيل وفي الفعاليات المرتبطة بها.

    ولا يأتي هذا التوثيق على سبيل الاستعادة العاطفية وحدها، بل يضع الاهتمام بالفروسية ضمن مشروع أوسع لصون التراث الإماراتي والمحافظة على الممارسات التي شكّلت حياة المجتمع.

    فالخيل، في هذا السياق، لم تكن مجرد رياضة، وإنما كانت جزءًا من الحياة، ومن قيم الصحراء، ومن علاقة الإنسان ببيئته ومن مفاهيم القوة والكرم والصبر والوفاء.

    التشوليب من العرض الشعبي إلى الممارسة المؤسسية

    من الجوانب المهمة كذلك رصد الكتاب انتقال التشوليب من دائرة الممارسة الشعبية إلى مساحة أوسع من الرعاية والتدريب والتنظيم المؤسسي.

    وتبرز هنا تجربة فرسان شرطة أبوظبي وجهودهم في إحياء الفن وتقديمه في الفعاليات الوطنية والثقافية، بما أتاح للتشوليب أن يستعيد حضوره أمام جمهور جديد.

    ويقدم الكتاب مادة زمنية غنية للمشاركات، ويستعرض مناسبات متعددة شهدت عروضًا للتشوليب، من الاحتفالات الوطنية إلى معارض الخيل والصيد والفروسية والمهرجانات التراثية، ليكشف كيف تحول الحفاظ على الفن من مجرد تذكره إلى ممارسته وتعليمه وإعادة إنتاجه في فضاء معاصر.

    كما يوثق الكتاب حديقة المسحاب المجتمعية التي افتتحها سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، عام 2023، بوصفها فضاءً يجمع الموروث والتقاليد الشرطية المرتبطة بإمارة أبوظبي، ويضم مرافق وأنشطة رياضية وتدريبية تسهم في تعريف المجتمع بالفروسية.

    حين تجاوز التشوليب الحدود

    ولعل من أكثر الجوانب دلالة على حيوية هذا التراث انتقاله من المحلية إلى التبادل الثقافي الدولي، فالكتاب يوثق مشاركة فرسان شرطة أبوظبي بعروض التشوليب في المملكة المغربية خلال عامي 2023 و2024، وهي مشاركات أظهرت هذا الفن أمام جمهور عربي خارج الدولة، وأبرزت خصوصيته الثقافية والجمالية.

    وهنا تتحول المشاركة الخارجية إلى أكثر من مجرد عرض؛ إنها وسيلة للتعريف بالإرث الإماراتي، وتقديم صورة عن ثقافة الخيل والفروسية، وإبراز العناصر التي تميز التشوليب من الأهازيج إلى حركة الفرسان وانسجامهم مع جيادهم.

    واللافت أن الكتاب لا يمر على هذه المشاركات بصورة عابرة، وإنما يوثق تواريخها ومناسباتها وصورها، لتصبح جزءًا من سجل تطور الفن نفسه.

    الشعر.. الذاكرة المسموعة للفروسية

    ويأخذ الشعر موقعًا محوريًا في الكتاب، وهو أمر طبيعي في فن لا تنفصل فيه حركة الجواد عن صوت الفارس، فالكتاب يجمع عددًا من نصوص التشوليب والأبيات المتوارثة، ويقدم شروحًا لمفرداتها الشعبية وما تحمله من معانٍ مرتبطة بالقوة والاعتزاز والحماس.

    ومن النماذج اللافتة التي يوثقها الكتاب تشوليبة كان الفرسان يتغنون بها بحضور القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وكان الفرسان يهزجون بعبارات “التشوليب” التي تطرب لها الخيول وتندفع قدماً وبسرعة ووقت التسنيد “الانطلاق” كانوا يرددون:

    الْغُوْجْ لَاْ يَلْهِيْكْ عَنْهَاْ نُوْمْ

    إِنْ لَاْ تِكَاْثَرْ بِرَّهْ اليْ جَاهْ

    إِنْ ضَربُوْهِنْ صَحْصَحٍ وحْزُوْمْ

    يَا زِيْنْ غُوْجِِيْ وِالرَّمَكْ تِتِلَّاهْ

    كما يوثق الكتاب تشوليبة الشيخ سلطان بن زايد “الأول” بن خليفة آل نهيان، حاكم إمارة أبوظبي من عام 1922 إلى 1926، وردت برواية حميد بن دلموج الظاهري، وجاء فيها:

    خَيالِةٍ عِيْزُوْا عَنْ التفْجَانْ

    عَسَى أَنّهُمْ مَا يْرْكُبُوْنْ الْخيْلْ

    ويضم الكتاب نماذج من أشعار عدد من الشيوخ وشعراء الإمارات، ويقف عند نصوص ارتبطت بالفروسية والخيل والمناسبات، ليؤكد أن التشوليب ليس أداءً جسديًا فقط، وإنما فن لغوي وإيقاعي كذلك.

    هذه النصوص ذات أهمية مضاعفة؛ فمن ناحية هي مادة أدبية تكشف خصائص التعبير الشعبي الإماراتي، ومن ناحية أخرى هي وثائق شفوية تحمل لغة زمنها ومفرداته وصوره وقيمه.

    من القصيدة إلى علم العروض

    ولا يكتفي الكتاب بجمع القصائد، بل ينتقل خطوة إضافية إلى دراسة بنيتها العروضية، وهو جانب يمنحه تميزًا واضحًا عن مجرد كتب الجمع والتوثيق. فيشرح أنواعًا من أوزان قصائد التشوليب، ومنها الرجز التام، والرجز المجزوء، والرمل، ويعرض الأبيات مقرونة بتفعيلاتها، مثل «مستفعلن» و«مستفعلان»، بما يتيح للقارئ فهم البناء الإيقاعي للنص.

    ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأنه يكشف أن الإيقاع الذي يسمعه المتلقي أثناء العرض ليس ارتجالًا عشوائيًا، بل يقوم على انتظام شعري يساعد على تحقيق التناغم بين الكلمة والصوت وحركة الخيل.

    وبذلك ينجح الكتاب في الجمع بين التراث الشعبي والدراسة الأدبية والعروضية، ويقدم مادة يمكن للباحث في الشعر الشعبي الاستفادة منها بقدر ما يستفيد منها المهتم بالفروسية.

    الصورة شريك للنص

    ولا يمكن الحديث عن الكتاب دون الوقوف عند ثرائه البصري، فالصور ليست عنصرًا تزيينيًا، وإنما جزء من منهج التوثيق؛ إذ تضم الصفحات صورًا تاريخية لفرسان وعروض ومناسبات، وأخرى حديثة توثق استمرار التشوليب، إلى جانب قصاصات صحفية ومواد أرشيفية.

    ومن الصور التي يبرزها الكتاب مشاهد تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وأخرى للعروض الوطنية الحديثة، فضلًا عن المشاركات الخارجية. وهذا الامتداد البصري يجعل القارئ يرى تطور الفن، بدل الاكتفاء بالقراءة عنه.

    وهو أمر بالغ الأهمية في الدراسات التراثية؛ لأن الصورة تحفظ تفاصيل قد يعجز النص عن نقلها، من هيئة الفارس وملابسه إلى ترتيب الفرسان وحركة الجواد وطبيعة المكان.

    كتاب يجمع عدة كتب في كتاب واحد

    إن إحدى أبرز نقاط قوة «فن التشوليب في الموروث الإماراتي» هي تعدد مستويات قراءته. فهو في جانب منه كتاب عن الخيل والفروسية، وفي جانب آخر سجل تاريخي، ودراسة في الأدب الشعبي والعروض، وأرشيف فوتوغرافي، وسجل للمناسبات والمشاركات، ومجموعة من الشهادات والروايات.

    وهذا التنوع لا يشتت مادته، بل يخدم الفكرة المركزية التي يقوم عليها: أن التشوليب لا يمكن فهمه بمعزل عن المجتمع الذي أنشأه.

    فلفهمه يجب معرفة الخيل، والشعر، والمناسبة، والفارس، واللباس، والحركة، والإيقاع، والذاكرة الشعبية، والتحولات التي شهدتها الدولة. وحين تجمع هذه العناصر، تتكون الصورة الكاملة التي يسعى الكتاب إلى رسمها.

    من التوثيق إلى الاستدامة

    ولعل القيمة الأعمق لهذا الكتاب تظهر حين ننظر إليه من زاوية المستقبل. فحفظ التراث لا يعني تجميده، وإنما تأمين استمراره، وهنا تبدو أهمية الانتقال بفن التشوليب من ذاكرة كبار السن إلى كتاب يستطيع الشاب والباحث والطالب العودة إليه؛ ومن مشهد كان يُشاهد في مناسبة محددة إلى مادة موثقة بالصورة والنص والتاريخ؛ ومن قصيدة محفوظة في الذاكرة إلى نص مضبوط ومشروح ومحلل عروضياً. إنها عملية نقل للمعرفة من جيل إلى آخر، وهي في جوهرها واحدة من أهم آليات صون التراث غير المادي.

    ذاكرة تبقى حية

    في نهاية الرحلة مع «فن التشوليب في الموروث الإماراتي» يتضح أن قيمة الكتاب لا تكمن في تعريف القارئ بفن ربما لم يسبق له أن عرف تفاصيله فحسب، وإنما في نجاحه في رسم صورة متكاملة لعالم كامل يقوم خلف هذا الفن.

    فالتشوليب في صفحات الكتاب هو صوت الفارس وحركة الخيل، وقصيدة الحماسة، وذاكرة الآباء والأجداد، وصورة قديمة، وشهادة راوٍ، ووثيقة صحفية، وعرض وطني، ومشاركة دولية، وتدريب لجيل جديد.

    ومن هنا يصبح الكتاب إضافة مهمة للمكتبة الإماراتية ولجهود حفظ الموروث الوطني؛ لأنه لا ينظر إلى التراث باعتباره شيئًا انقضى، وإنما بوصفه رصيدًا حيًا يمكن أن يواصل حضوره ما دام هناك من يجمعه ويوثقه ويدرسه ويقدمه بصورة تليق بقيمته.

    ولعل كلمات معالي الشيخ زايد بن حمد آل نهيان: «التشوليب يعكس روح الفارس القتالية وانسجامه مع الخيل لبث الحماس وكسر العدو» تلخص في النهاية جوهر هذا الفن؛ فهو انسجام بين الإنسان والجواد، وبين الكلمة والحركة، وبين التاريخ والحاضر.

    وهنا تحديدًا تكمن أهمية «فن التشوليب في الموروث الإماراتي»: أنه يحفظ هذا الانسجام من أن يصبح مجرد ذكرى، ويعيد تقديمه بوصفه جزءًا حيًا من هوية الإمارات وأصالة مجتمعها وذاكرة فروسيتها.

    المصدر: جريدة الوطن

    السابق9 ملايين درهم أرباح «العين الأهلية للتأمين» النصفية
    التالي علياء عبدالسلام تنهي سباق إيطاليا للزوارق برقم جديد

    المقالات ذات الصلة

    دبي.. 244 صفقة بيع لوحدات سكنية فاخرة في يوليو بـ3.4 مليار درهم

    12 أغسطس، 2026

    “سابر” تدشن نموذجاً عالمياً فريداً لمعلمي رياض الأطفال

    12 أغسطس، 2026

    ورشة خليجية تمهد لوضع خارطة طريق للربط المائي بين دول المجلس

    12 أغسطس، 2026

    رئيس الدولة يمنح سفير النمسا وسام زايد الثاني من الدرجة الأولى

    12 أغسطس، 2026
    آخر الأخبار

    دبي.. 244 صفقة بيع لوحدات سكنية فاخرة في يوليو بـ3.4 مليار درهم

    12 أغسطس، 2026

    “سابر” تدشن نموذجاً عالمياً فريداً لمعلمي رياض الأطفال

    12 أغسطس، 2026

    ورشة خليجية تمهد لوضع خارطة طريق للربط المائي بين دول المجلس

    12 أغسطس، 2026
    © 2026 جميع الحقوق محفوظة.
    • محليات
    • مال وأعمال
    • رياضة
    • منوعات
    • جديد التقنية
    • عربي ودولي
    • اتصل بنا

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter