ترك عليِ خليفةَ إرثا أدبياً ثريّاً لا ينكر، فهوَ رفيقُ مسيرةٍ ثقافيةٍ وأدبيةٍ صعبةٍ وعسيرة، ولكنها أنجزتْ مشروعاً فتحَ الآفاقَ لشبابٍ كانَ يتطلعُ لكيانٍ أدبيٍّ جديدٍ يحتضنُ مواهبَه وإبداعاتِه، كانَ الراحلُ واحداً من أعمدةِ بنائهِ، وكانتْ جهودُه ومساهماتُه الركيزةَ الأهمَّ، التي مَنَحتْه الحيويةَ واستمراريةَ العطاءِ في الإنتاجِ. أما جهودُه ومشروعاته الأخرى فهي كثيرةٌ ومتعددةٌ، تخطى نفعُها المحيطَ المحليَّ إلى العربيِّ والعالميِّ.
الموتُ حقٌّ، وما من دواءٍ للفقدِ سوى استحضارِ الذكرياتِ.. وإليكم بعضَها:
التقينا في بدايةِ الستينياتِ، عندما كنتُ مدرّساً بمدرسةِ عمرَ بنِ الخطابِ بعدَ تخرجي في الثانويةِ، ولا أتذكرُ بالتحديدِ المناسبةَ. ومنذُ تلكَ اللحظةِ ربطتنا علاقةُ محبةٍ وصداقةٍ أخويةٍ لم أجدْ لها مثيلاً في حياتي. كانتِ اللقاءاتُ والزياراتُ المتبادلةُ تكادُ تكونُ يوميةً، تخللتها جلساتُ الرفقةِ الجميلةِ التي سادَها شغفُ القراءةِ ومتابعةُ النشاطِ الثقافيِّ، وما يصدرُ من كتبٍ ومجلاتٍ وصحافةٍ.. وكانَ اهتمامُ (عليٍّ) بالشعرِ يتجلى في نوعيةِ قراءاتِه، وحفظِه للكثيرِ من قصائدِ شعراءِ العربِ المشهورينَ من قدماءَ ومحدثينَ، وربما كانتْ لديه محاولاتٌ أوليةٌ في كتابتِهِ، ولكنني لا أذكرُ أنه أطلعني عليها.
*مراسلات
*ذاكرة
ولا شك في أن وقعَ تأسيسِ رابطةٍ أدبيةٍ بالكويتِ عامَ 1964م على الأدباءِ الشبابِ بالبحرينِ كانَ مؤثراً بعمقٍ، وخصوصاً أن بلداً مثل البحرين – اشتهرَ بكثرةِ مثقفيهِ، وبتاريخٍ حافلٍ بأنديةٍ أدبيةٍ ومنتدياتٍ ثقافيةٍ – لم يُكتبْ لها الاستمرارُ – أن لا تكون سباقة في ذلك. لكنَّ الذي لا يعلمُهُ الكثيروَن أننا قبلَ أشهرٍ قليلةٍ من تأسيسِ أسرةِ الأدباءِ، عقدنا العزمَ في ما بينَنا ألا يكونَ الكيانُ الأدبيُّ الجديدُ مشابهاً لرابطةِ الكويتِ، وإنما ينبغي أن يحملَ فكراً جديداً وتوجهاً طليعياً نابعاً من بيئتِنا السياسيةِ والاجتماعيةِ، ومن وعينا المبكرِ بما حدثَ من تطورٍ وحداثةٍ فكريةٍ وأدبيةٍ عمّتْ مراكزَ الثقافةِ العربيةِ في خمسينياتِ وستينياتِ القرنِ الماضي، تأثرَ بها جيلُ الأدباءِ الشبابِ وسارَ على نهجِها في مجالاتِ الشعرِ والقصةِ والروايةِ وغيرها من فنونِ الأدبِ.
*بدايات
وقد تمَّ جمعُها، مع ما أضيف لها ما استجد من قصائد، وطبعت في بيروتَ، وصدرتْ تحتَ عنوانِ (أنينُ الصواري) في يوليوَ 1969م، وقد حكى (علي) قصة إنجازها في ذكرياته.
أما حكاية إصدار ديوان (عطش النخيل)، فتعد منَ الذكرياتِ الجميلةِ والطريفة ؛ فقد كانت أيام إخراجه وإعداده للطباعة مشهودة حقاً، ولا أبالغ إذا قلت، أن هذا الديوان كان الوليد المدلل الذي لقي رعاية واهتماماً خاصاً لديه؛ فما إن أنجز كتابته، طلب مني تصميما مميزاً لهِ – فقد كنت آن ذاك أعمل خطاطاً ومصمم إعلانات – فتشاورنا معاً في مَن يصمّمُ الغلافَ، فوقعَ اختيارُنا على أبرزِ فناني البحرينِ (عبدِ اللهِ المحرقيِّ)، أما الرسومُ الداخليةُ فأسندناها إلى صديقنا الفنانِ (ناصرٍ اليوسفِ) الذي تميّزَ بلوحاتِهِ التي تُعنى برموزِ التراثِ. وجاءَ دورُ الخطوطِ، فطلبَ (عليٌّ) أن أخطَّ العناوينَ والنصوصَ بأحدِ الخطوطِ العربيةِ (النسخِ أو الرقعةِ أو غيرِهما )، لكنني لم أتفقْ معَهُ، مبيناً أنَّ مثلَ هذهِ الخطوطِ قد يصعبُ معَها على البنطِ المطبعيِّ كتابةُ الحرفِ العاميِّ وتشكيلاتِهِ، واقترحتُ عليهِ أن أخطَّ النصوصَ بالقلمِ العاديِّ، وأخطَّ العناوينَ بأحدِ الخطوطِ العربيةِ. وقد تمَّ ذلكَ. وبعد أن أُنجزتْ لوحةُ الغلافِ والرسومُ الداخليةُ، تشاركنا (أنا وعليٌّ وناصرٌ) في إخراجِ المجموعةِ الشعريةِ، وسافرَ عليٌّ إلى بيروتَ للإشرافِ على طباعتِها في دارِ العلمِ للملايينِ.
ولا أعلم بالضبط، المدة التي استغرقتها طباعة الديوان، ولكني بعدَ مراجعة الرسائل، أنها أخذت عدّة أسابيع، قضاها في متابعة الطباعة والإشرف عليها. وخلال هذه المدة كانت رسائله توصيني بتهيئة الأجواء للقادم الجديد؛ فمرةً: أخي أحمد، لا تنس أن تُعدَّ «البوسترات» الإعلانية، وأخرى، أرجوك عمل الإعلانات لنشرها في الجرائد.. لكن الطلب الأغرب كان سؤاله عمّا إذا كان أحد الشعراء سيطرح ديوانه هذه الأيام، مشيراً إلى شاعر بحريني على وشك توزيع ديوانه في الفترة نفسها !. وقد أوضح لي السبب: «لا أريد الجمهور أن يتوزع اهتمامه بين مطبوعين في المجال نفسه».. حتى أنه استفسر من دار النشر في بيروت، وعلم أن الديوان المذكور قد وصل إلى البحرين وتم توزيعه. هكذا كان الراحل حريصاً على أن تخرج مطبوعاته في أحسن حلة وأنسب وقت.
*جهد
«الأخُ أحمدُ المناعيُّ، الأخُ ناصرُ اليوسفُ، هذهِ نسخةٌ من جهدِنا المشتركِ أرسِلُها لكما لمجرّدِ المعاينةِ، فإذا اكتشفتما فيها خطأً أو أيَّ عيبٍ فأرجو أن تعلما أنَّ هذا هو أقصى ما في الجهدِ، ولقد تعبتُ كثيراً في المطبعةِ، بعكسِ ما تصورتُ من قبلُ. مبروكٌ.. وسنحتفلُ معاً، عندما أعودُ، بهذهِ المناسبةِ. لكما شكري وحبي وامتناني. في 27/ 10/ 1970م».
كانَ فرحُهُ بإنجازِ هذهِ المجموعةِ الشعريةِ عظيماً، وكنّا أسعدَ الناسِ لفرحِهِ.
أكتفي بهذهِ الذكرياتِ من السنوات الأولى قبل تأسيس أسرة الأدباء، بعدها الذكريات مختلفة؛ إذ تحكي عن أيام صعبة ومضنية، تلك مسيرة أسرة الأدباء وتأسيس الحركة الأدبية الجديدة.
أقولُ وداعاً أيها الصديقُ الأعزُّ، لقد تركتَ لي ميراثاً ثميناً من الذكرياتِ، تجعلُ روحَكَ دائماً حاضرةً بالقربِ مني.
================
*ناقد من البحرين
.articleBodySingleMedia {
max-width: 70%; /* ← CHANGE THIS to resize single body images */
margin: 8px auto;
display: block;
}
.articleBodySingleMedia img {
width: 100%;
height: auto !important;
object-fit: initial !important;
display: block;
border-radius: 6px;
}
.articleBodySingleMedia picture {
display: block;
}
.articleBodySingleMedia picture img {
width: 100%;
height: auto !important;
object-fit: initial !important;
display: block;
border-radius: 6px;
}
.articleBodyMediaGrid {
display: flex;
flex-wrap: wrap;
gap: 8px;
margin: 8px auto;
max-width: 600px;
align-items: flex-start;
}
.articleBodyMediaGrid .media-item {
flex: 1 1 0;
min-width: 0;
max-width: 100%;
}
.articleBodyMediaGrid .media-item img {
width: 100%;
height: 450px; /* ← CHANGE THIS to adjust multi-image height */
object-fit: contain;
background: transparent;
display: block;
border-radius: 6px;
}
.articleBodyMediaGrid .media-caption,
.articleBodySingleMedia .media-caption {
text-align: center;
font-size: 12px;
color: #666;
padding: 4px 0;
}
if(typeof window.gptDefineArticleContentAds===”function”){window.gptDefineArticleContentAds(“3127819”);}
المصدر: جريدة الخليج
