يرى خبراء ماليون أن الأرباح القوية، أو الأصول الجيدة، أو التوزيعات النقدية المنتظمة لا تكفي وحدها لتحديد جاذبية السهم في الأسواق المالية، إذ أصبح هناك عامل آخر أكثر حضوراً في قرارات المستثمرين، يتمثل في مدى سهولة بيع السهم، وتحويل الاستثمار إلى نقد عند الحاجة، فقد تكون الشركة قوية مالياً، وتمتلك أصولاً جيدة، لكن سهمها لا يشهد تداولات كافية، ما يجعل المستثمر يواجه صعوبة أكبر عند الرغبة في البيع، وقد يضطر إلى الانتظار، أو قبول سعر أقل للخروج من الاستثمار.
ومن هنا يظهر مفهوم «خصم السيولة»، وهو أن المستثمر قد يطلب سعراً أقل لشراء سهم ضعيف التداول، مقارنة بسهم أكثر نشاطاً، لأنه يتحمل مخاطرة إضافية تتمثل في صعوبة التخارج، وارتفاع كلفة البيع.
وتعيد الأسهم قليلة السيولة في أسواق الإمارات طرح سؤال مهم: هل تستحق هذه الأسهم سعراً أقل بسبب صعوبة الخروج منها، أم أن ضعف التداول هو نتيجة طبيعية لانخفاض اهتمام المستثمرين بالشركة؟
وبينما يرى البعض أن السيولة عامل حقيقي يؤثر في تقييم السهم، يرى آخرون أن ضعف التداول ليس سبباً لانخفاض القيمة، بل انعكاس لضعف جاذبية الاستثمار.
المستثمر والسيولة
عند شراء سهم نشط التداول، يدخل المستثمر سوقاً أكثر عمقاً، حيث تتوافر أوامر شراء وبيع بصورة أكبر، ما يمنحه مرونة أعلى في تنفيذ الصفقات. أما في الأسهم محدودة التداول، فقد يجد المستثمر صعوبة في بيع كميات كبيرة، خلال فترة قصيرة، وقد يضطر إلى الانتظار، أو تقديم تنازل سعري لجذب المشترين. ولهذا أصبحت السيولة جزءاً من عملية تقييم الاستثمار، خصوصاً بالنسبة للمؤسسات والصناديق التي تحتاج إلى أسهم قادرة على استيعاب عمليات الدخول والخروج من دون تأثيرات سعرية كبيرة.
كلفة الخروج
يرى بعض المستثمرين أن ضعف السيولة يمثل مخاطرة إضافية يجب أن تنعكس على سعر السهم، لأن المستثمر يتحمل كلفة أكبر عند محاولة التخارج. وبحسب هذا الرأي، فإن السهم محدود التداول يحتاج إلى هامش أمان أكبر، لأن المستثمر لا يواجه مخاطر أداء الشركة فقط، بل أيضاً مخاطر القدرة على بيع الاستثمار عند الحاجة.
في المقابل، يرى آخرون أن ضعف السيولة ليس المشكلة الأساسية، بل نتيجة لعوامل أخرى مثل محدودية النمو، أو غياب المحفزات، أو انخفاض اهتمام المؤسسات والمحللين.
10.9 مليون درهم ل20 شركة
تكشف بيانات التداول في سوقَي أبوظبي للأوراق المالية ودبي المالي، خلال النصف الأول من عام 2026، عن تفاوت كبير في مستويات السيولة بين الأسهم المدرجة، وباستبعاد صناديق الاستثمار والصناديق المتداولة والأدوات المالية الأخرى، تضم قائمة أقل الأسهم تداولاً 20 شركة مساهمة في السوقين، بواقع 10 شركات من أبوظبي، و10 من دبي، بإجمالي قيمة تداول بلغ نحو 10.91 مليون درهم فقط، خلال الفترة من الأول من يناير/ كانون الثاني، وحتى 30 يونيو/ حزيران 2026.
وفي سوق دبي المالي، تصدّرت النعيم القابضة للاستثمارات قائمة الأقل تداولاً بقيمة بلغت نحو 5.8 آلاف درهم فقط، تلاها بنك الإمارات للاستثمار بنحو 78.5 ألف درهم، ثم مجموعة الصناعات الوطنية القابضة بنحو 160.2 ألف درهم، والمزايا القابضة بنحو 190.2 ألف درهم، والاستشارات المالية الدولية القابضة بنحو 212.8 ألف درهم. وبلغ إجمالي تداولات الشركات العشر الأقل تداولاً في دبي نحو 5.8 مليون درهم.
وفي سوق أبوظبي، جاءت شركة الاتحاد للتأمين في صدارة الأسهم الأقل تداولاً بقيمة لم تتجاوز 46.9 ألف درهم، تلتها رأس الخيمة الوطنية للتأمين بنحو 81.8 ألف درهم، والظفرة للتأمين بنحو 101.3 ألف درهم، ثم فودكو الوطنية للمواد الغذائية بنحو 146.6 ألف درهم، وعمان والإمارات للاستثمار القابضة بنحو 162.3 ألف درهم. وبلغ إجمالي تداولات الشركات العشر الأقل تداولاً في أبوظبي نحو 5.1 مليون درهم.
وتكشف أرقام عدد جلسات التداول والصفقات عن صورة أكثر وضوحاً لمحدودية النشاط، ففي أبوظبي، على سبيل المثال، لم تشهد العين الأهلية للتأمين سوى صفقة واحدة، خلال النصف الأول، بينما سجلت دار التمويل 9 صفقات فقط. وفي دبي، جرى التداول على سكون للتأمين خلال 5 أيام فقط.
وبمقارنة هذه التداولات بإجمالي قيمة التداول في السوقين، والبالغة نحو 284.8 مليار درهم، خلال النصف الأول، فإن الشركات العشرين الأقل تداولاً استحوذت مجتمعة على نحو 0.0038% فقط من إجمالي السيولة.
وتعطي هذه الأرقام بعداً عملياً لمفهوم «خصم السيولة»، فالمشكلة لا تبدأ بالضرورة عند لحظة البيع، وإنما قد تبدأ قبل ذلك من محدودية الطلب على السهم، وانخفاض معدل دوران ملكيته. وكلما انخفض النشاط وتقلص عدد المتعاملين، أصبحت قدرة المستثمر على تنفيذ صفقة كبيرة، من دون التأثير في السعر، أكثر محدودية.
سبب أم نتيجة؟
يرى خبراء أن السوق لا يعاقب الأسهم قليلة السيولة، بل إن قلة التداول تعكس في كثير من الأحيان ضعف اهتمام المستثمرين بالشركة، وقد تكون الأسباب مرتبطة بضعف النمو المتوقع، أو محدودية المحفزات المستقبلية، أو انخفاض التغطية البحثية، أو عدم وجود قصة استثمارية واضحة تجذب المستثمرين.
قد تبدأ المشكلة أحياناً من انخفاض نسبة الأسهم الحرة، أو تركز الملكية لدى مساهمين رئيسيين، ما يؤدي إلى انخفاض التداول، ومع الوقت، يؤدي ضعف السيولة إلى تراجع اهتمام المستثمرين، وانخفاض التغطية البحثية، وخروج السهم من دائرة اهتمام المحافظ الكبرى.
القيمة الاستثمارية
يرى وائل محيسن، المدير التنفيذي لشركة ترند للاستثمار، أن السيولة لم تعُد مجرد مؤشر على حجم التداول اليومي، بل أصبحت عنصراً أساسياً يدخل في تقييم المخاطر الاستثمارية.
وأوضح أن المستثمر لا يشتري حصة في شركة فقط، وإنما يشتري أيضاً القدرة على تحويل هذه الحصة إلى نقد في الوقت الذي يراه مناسباً.
وأضاف أن السهم الذي يتمتع بتداولات نشطة يمنح المستثمر مرونة أعلى، بينما يفرض السهم محدود التداول كلفة إضافية تتمثل في صعوبة تنفيذ الصفقات الكبيرة أو الحاجة إلى الانتظار لفترات أطول لإتمام البيع.
وأشار إلى أن هذا الأمر يفسر مفهوم «خصم السيولة»، حيث يطلب المستثمر هامش أمان أكبر عند شراء الأسهم ضعيفة التداول، ليس بالضرورة بسبب ضعف الشركة، وإنما بسبب المخاطر المرتبطة بالخروج من الاستثمار.
وأكد أن تقييم السهم يجب ألا يقتصر على الأرباح والقوائم المالية، بل يجب أن يشمل عمق السوق، وعدد المتعاملين، وقدرة السهم على جذب السيولة مستقبلاً.
الأسهم الرخيصة
ترى رزان هلال، محللة الأسواق في Forex.com، أن انخفاض سعر السهم، مقارنة بقيمته الدفترية أو أصول الشركة، لا يعني دائماً وجود فرصة استثمارية مؤكدة، حيث أوضحت أن بعض الأسهم قد تبقى عند مستويات تقييم منخفضة لفترات طويلة إذا لم تتوافر محفزات تدفع المستثمرين إلى إعادة النظر فيها.
وأشارت إلى أن ضعف السيولة قد يكون انعكاساً لعوامل أخرى، مثل محدودية النمو المتوقع، أو ضعف التواصل مع المستثمرين، أو غياب التغطية البحثية. مبينة أن الاستثمار في الأسهم قليلة السيولة يحتاج إلى قدرة أكبر على الانتظار، لأن اكتشاف القيمة لا يعني بالضرورة أن السوق سيعيد تسعير السهم سريعاً.
وتؤكد رزان هلال أن أهمية السيولة ترتفع لدى المؤسسات والصناديق، بسبب حجم المحافظ الاستثمارية.

